عين القضاة
مقدمة 36
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
عن ادراك مدركات العقل ؛ فإنّ عجز الوهم عن ادراك المعقولات الغامضة مستفاد عند الوهم من المقدمات ؛ وأما العقل فإنه يدرك عجز الوهم عن مدركاته من غير مقدمة . فغاية الوهم أن يعترف بالعجز عن ادراك العقليات ، إذا قررّ العقل ذلك عنده بمقدمات مسلّمة عند الوهم ؛ فكذلك العاقل إذا تقرّر عنده عجز العقل عن مدركات العارفين ، فقد بلغ آخر منازل العقل ، وأدرك منتهى ما يمكن ادراكه بالعقل ؛ فيستوطن حينئذ كعبة طلبه . وهاهنا يوافى السالك أوّل منزل من منازل طور المعرفة . الفصل التاسع والعشرون ( مقارنة بين إدراك كلّ من الوهم والعقل لعجزه ) العقل بالضرورة عاجز عن ادراك عجزه الحقيقي وعن ادراك مدركات العارف ، كما أن الوهم بالضرورة عاجز عن ادراك حقيقة عجزه عن ادراك المعقولات . والعقل هو الذي يدرك العجز الحقيقي ، الذي يلازم الوهم ، عن ادراك الأمور العقلية ؛ فإذا كان العقل عاجزا عن ادراك عجزه الحقيقي ، فكيف يتعجب المتعجبون من قولنا أنه عاجز عن ادراك حقيقة الحق وحقيقة علمه الذي هو ينبوع الوجود ؟ فإذا يرجع تفاوت العقول في هذا النظر إلى تفاوت في الاستعداد لإدراك العجز ؛ فليس العجز الذي اعترف به محمد - عليه الصلاة والسلام - مثل العجز الذي اعترف به أبو بكر - رضى اللّه عنه - ؛ لا بل وفي الاعتراف بالعجز عن الاعتراف بالعجز أيضا تفاوت عظيم . ولعل النفس إذا استغرقها العجز عن ادراك كمال العجز ، فقد صارت مدركة للعجز من طريق المعرفة لا من طريق المقدمات ؛ ولعل قول الصدّيق الأكبر : « العجز عن درك الإدراك إدراك » كان إشارة إلى شيء يشبه ذلك .